عبد الرحمن بن أحمد الحنبلي البغدادي الدمشقي

49

أهوال القبور وأحوال أهلها إلى النشور

قال لها : « يا ميمونة ! إن من أشد عذاب القبر من الغيبة والبول » « 1 » . وقد ذكر بعضهم السرّ في تخصيص البول والنميمة والغيبة بعذاب القبر ، وهو أنّ القبر أول منازل الآخرة ، وفيه أنموذج ما يقع في يوم القيامة من العقاب والثواب . والمعاصي التي يعاقب عليها يوم القيامة نوعان : حق اللّه ، وحق لعباده ، وأول ما يقضى فيه يوم القيامة من حقوق اللّه الصلاة ، ومن حقوق العباد الدماء . وأمّا البرزخ فقضى فيه في مقدمات هذين الحقّين ووسائلهما . فمقدمة الصلاة : الطهارة من الحدث والخبث ، ومقدمة الدماء النميمة والوقيعة في الأعراض ، وهما أيسر أنواع الأذى ، فيبدأ في البرزخ بالمحاسبة والعقاب عليهما . وروى عبد الرزاق ، عن معمر ، عن أبي إسحاق ، عن أبي إسحاق ، عن أبي ميسرة عمرو بن شرحبيل ، قال : مات رجل ، فلما أدخل في قبره أتته الملائكة ، فقالوا : إنا جالدوك مائة جلدة من عذاب اللّه ، قال : فذكر صلاته وصيامه واجتهاده ، قال : فخففوا عنه حتى انتهى إلى عشرة ، ثم سألهم ، فخففوا عنه حتى انتهى إلى واحدة ، فجلدوه جلدة اضطرم قبره نارا ، وغشي عليه ، فلما أفاق قال : فيم جلدتموني هذه الجلدة ؟ قالوا : إنك بلت يوما ، وصلّيت ولم تتوضأ ، وسمعت رجلا يستغيث مظلوما فلم تغثه . ورواه أبو سنان ، عن أبي إسحاق ، عن أبي ميسرة ، بنحوه . ورويناه من طريق حفص بن سليمان القارئ - وهو ضعيف جدا - عن عاصم ، عن أبي وائل ، عن ابن مسعود ، عن النبي صلى اللّه عليه وسلم . فعذاب القبر حصل هاهنا بشيئين : أحدهما : ترك طهارة الحدث . والثاني : ترك نصرة المظلوم مع القدرة عليه ، كما أنه في الأحاديث المتقدمة حصل بترك طهارة الخبث ، والظلم بالقول ، وهي متقاربة في المعنى . وفي حديث عبد الرحمن بن سمرة ، عن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : « إنّي رأيت الليلة عجبا » ، فذكر الحديث بطوله ، وفيه : « رأيت رجلا من أمتي بسط عليه عذاب القبر ، فجاءه وضوؤه فاستنقذه منه » ، أخرجه الطبراني وغيره « 2 » . ففي هذا الحديث أنّ الطهارة من الحدث تنجي من عذاب القبر . وكذا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ينجي من عذاب القبر ، كما تقدّم ذكره في الباب الثاني ، لأن فيه غاية النفع للناس في دينهم .

--> ( 1 ) أخرجه البيهقي في « إثبات عذاب القبر » ( رقم : 232 ) . ( 2 ) أخرجه الطبراني كما في « مجمع الزوائد » ( 7 / 180 ) والتيمي الأصبهاني في « الترغيب والترهيب » ( رقم : 1655 ) بإسناد ضعيف كما في « المجمع » .